صديق الحسيني القنوجي البخاري
314
فتح البيان في مقاصد القرآن
من مجيء الساعة والبعث كائن لا محالة ما اسم الموصول ، والقاعدة أنها إذا كانت كذلك ترسم مفصولة من أن ورسمت هنا موصولة بها اتباعا لرسم المصحف الإمام . ثم بين سبحانه متى يقع ذلك فقال : فَإِذَا النُّجُومُ طُمِسَتْ أي محي نورها وذهب ضؤها يقال طمس الشيء إذا درس وذهب أثره وَإِذَا السَّماءُ فُرِجَتْ أي فتحت وشقت ومثله قوله : وَفُتِحَتِ السَّماءُ فَكانَتْ أَبْواباً [ النبأ : 19 ] وَإِذَا الْجِبالُ نُسِفَتْ أي قلعت من مكانها بسرعة ، يقال نسفت الشيء وأنسفته إذا أخذته بسرعة ، وقال الكلبي سويت بالأرض ، والعرب تقول نسفت الناقة الكلأ إذا رعته ، وقيل جعلته كالحب الذي ينسف بالمنسف ، ومنه قوله : وَبُسَّتِ الْجِبالُ بَسًّا [ الواقعة : 5 ] والأول أولى ، قال المبرد : نسفت قلعت من مواضعها . [ سورة المرسلات ( 77 ) : الآيات 11 إلى 24 ] وَإِذَا الرُّسُلُ أُقِّتَتْ ( 11 ) لِأَيِّ يَوْمٍ أُجِّلَتْ ( 12 ) لِيَوْمِ الْفَصْلِ ( 13 ) وَما أَدْراكَ ما يَوْمُ الْفَصْلِ ( 14 ) وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ ( 15 ) أَ لَمْ نُهْلِكِ الْأَوَّلِينَ ( 16 ) ثُمَّ نُتْبِعُهُمُ الْآخِرِينَ ( 17 ) كَذلِكَ نَفْعَلُ بِالْمُجْرِمِينَ ( 18 ) وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ ( 19 ) أَ لَمْ نَخْلُقْكُمْ مِنْ ماءٍ مَهِينٍ ( 20 ) فَجَعَلْناهُ فِي قَرارٍ مَكِينٍ ( 21 ) إِلى قَدَرٍ مَعْلُومٍ ( 22 ) فَقَدَرْنا فَنِعْمَ الْقادِرُونَ ( 23 ) وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ ( 24 ) وَإِذَا الرُّسُلُ أُقِّتَتْ الهمزة بدل من الواو المضمومة ، وكل واو انضمت وكانت ضمتها لازمة يجوز إبدالها بالهمزة ، وقد قرىء بالواو ، والوقت الأجل الذي يكون عنده الشيء المؤخر إليه . والمعنى جعل لها وقت للفصل والقضاء بينهم وبين الأمم كما في قوله سبحانه : يَوْمَ يَجْمَعُ اللَّهُ الرُّسُلَ [ المائدة : 109 ] وقيل هذا في الدنيا أي جمعت الرسل لميقاتها الذي ضرب لها في إنزال العذاب بمن كذبها ، والأول أولى ، قال أبو علي الفارسي أي جعل يوم الدين والفصل لها وقتا ، وقيل أقتت أرسلت لأوقات معلومة على ما علم اللّه به . لِأَيِّ يَوْمٍ أُجِّلَتْ هذا الاستفهام للتعظيم والتعجيب ، أي لأي يوم عظيم تعجب العباد منه لشدته ومزيد أهواله ضرب لهم لأجل لجمعهم ، والجملة مقول قول مقدر هو جواب لإذا أو في محل نصب على الحال من الضمير في أقتت ، قال الزجاج المراد بهذا التأقيت تبيين الوقت الذي يحضرون فيه للشهادة على أممهم . ثم بيّن هذا اليوم فقال : لِيَوْمِ الْفَصْلِ قال قتادة يفصل فيه بين الناس بأعمالهم إلى الجنة والنار ، ثم أتبع ذلك تعظيما وتهويلا فقال : وَما أَدْراكَ ما يَوْمُ الْفَصْلِ أي وما أعلمك بيوم الفصل يعني أنه أمر بديع هائل لا يقادر قدره ، وما مبتدأ وأدراك خبره أو العكس كما اختاره سيبويه .